المحقق البحراني
273
الكشكول
هارون الرشيد أنه كان ذات ليلة يطوف في داره فرأى جارية من جواريه وكان يجبها حبا شديدا ويجد بها وجدا ويلتمس منها حاجة فوجدها في تلك الليلة سكرى فخمشها فانحل إزارها وسقط خمارها فقالت أمهلني الليلة فغدا أصل إليك فخلاها ، فلما أصبح أرسل إليها خادمه فقال : أجيبي أمير المؤمنين : فقالت : ارجع إليه وقل له « كلام الليل يمحوه النهار » فعرفه بذلك فقال : انظر من على الباب من الشعراء فرجع إليه فقال : الرقاشي وأبا مصعب وأبا نؤاس . فقال : أدخلهم إلي فلما حضروا بين يديه قال لهم : عرفتم لما ذا طلبتكم ؟ فقال : لا . قال : يقول كل واحد منكم شعرا آخره « كلام الليل يمحوه النهار » . فقال الرقاشي : متى تصحو وقلبك مستطار * وقد منع القرار فلا قرار وقد تركتك صبا مستهاما * فتاة لا تزور ولا تزار إذا وعدتك صدت ثم قالت * كلام الليل يمحوه النهار وقال مصعب : أما واللّه لو تجدين وجدي * لأذهب باكرا عنك السرار فكيف وقد تركت العين عبرا * وفي الأحشاء من ذكراك نار فقالت أنت مغرور بوعدي * كلام الليل يمحوه النهار وقال أبو نؤاس : وليلة أقبلت في القصر سكرى * ولكن زين السكرى الوقار وهز الريح أردافا ثقالا * وصدر فيه رمان صغار وقد سقط الردى عن منكبيها * من التخميش وانحل الإزار فقلت لها تعالي عانقيني * فقالت في غد طاب المزار فقلت الوعد سيدتي فقالت * كلام الليل يمحوه النهار فأمر الخليفة لكل من الاثنين بألف دينار وقال : علي بسيف ونطع لأجدن رقبة أبي نؤاس فقال : ولما ذاك ؟ قال لأنك معنا البارحة فقال : واللّه ما بت إلا في داري وإنما استدللت بكلامك ، فقيل منه وأمر له بعشرة آلاف دينار . حال أبي نؤاس مع هارون ومما نقل من غرائب أبي نؤاس أن هارون الرشيد طرقه ذات ليلة قلق وسهاد